جان لوئيس بوركهارت

212

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

محصولهم من أمد طويل ، ولكن سيقان الذرة كانت ما تزال تكسو السهل كله متفرقة فيه لا مزدحمة متقاربة كما ترى في مصر ، وهو دليل واضح على ما تلقى الزراعة هنا من إهمال شديد . وفي الحقول الكثير من أشجار النبق ، أما أطراف الصحراء فتكسوها أشجار العشر . ومررنا بعدد من النزلات في التلال القائمة إلى يسارنا ، وبعد مسيرة عشر ساعات جئنا قرية جبيل [ أم على ] ليلا ، فوجدناها قرية كبيرة جاثمة بين التلال ، وفيها عدد من المساجد الصغيرة والمباني الجيدة . ويحكمها قريب من أقارب ملك شندى الذي يمتد إقليمه إلى حواية . وحططنا في ساحة مكشوفة خلف القرية ، وبعد أن مضينا لنصيب حظنا من الراحة أيقظنا خدم فقيه القرية الكبير حاملين لنا من قبله عشاء طيبا . وفي أثناء مسيرنا هذا النهار كنا نلقى كثيرا من المسافرين في الطريق ، وجلهم على ظهور الحمير ، كذلك التقينا بقافلة صغيرة قادمة من شندى قاصدة بربر . ورأيت سدودا أثرية من الثرى لم ألمح فيها أثرا للحجر أو اللبن ، وقنوات كثيرة شقت لرى السهل ولكنها كادت تغص بالتراب فلم يعد لها نفع . وتبدأ قرب جبل أم على سلسلة من الجبال صخورها من الحجر الرملي ، وتمتد جنوبا محاذية للنهر . 17 أبريل - بعد أن غادرنا جبيل أم على بساعتين مررنا في أثناء عبورنا الأرض الزراعية بتلال منخفضة من الأنقاض والآجر ، طول التل منها ثمانون خطوة تقريبا ، وتمتد بعرض الأرض الزراعية ميلا على الأقل إلى الشرق ، وخيل إلىّ أنها تنحرف في نهايتها نحو الجنوب ، والآجر فجّ الصنعة لا يدانى ما يصنع منه اليوم في مصر . ويلوح أن هذه التلال كانت تستعمل سورا وإن لم يبق منه آثار يكوّن منها الناظر رأيا فيه . وقد مررنا في شماله وجنوبه بأسس مبان متوسطة الحجم بنيت بالحجر المنحوت ، وهذا كل ما رأيت من أطلال ، ولم أشهد - على قدر ما أسعفنى بصرى - أثرا لحجارة مبعثرة بين تلال الأنقاض ، ولعلى كنت واصلا إلى كشوف أمتع من هذه لو أنني أنعمت النظر في المكان وأطلت فحصه ، ولكني وأنا مقيد بالسير مع الركب - ما كنت لأستطيع الوقوف بأطلال لأفحصها ولو كانت عجائب طيبة . وجئنا قرية صغيرة تدعى روّا بعد مسيرة ثلاث ساعات ،